من قلب الجفاف تولد الفرص: إطلاق برنامج مرونة سبل العيش لنساء أهوار الجبايش
الجبايش – ذي قار
لم تكن موجات الجفاف الشديدة والتغيرات المناخية التي ضربت أهوار الجبايش على مدار السنتين الماضيتين مجرد أزمة بيئية، بل كانت تهديداً مباشراً لاستقرار العوائل التي طالما اعتمدت على الصيد وتربية الجاموس. ومن عمق هذا التحدي، تحركت جمعية الفردوس العراقية لتقود جهود الاستجابة الميدانية، مسطرةً قصة صمود جديدة ترتكز على تمكين المرأة كشريك أساسي في مواجهة الأزمات وتحفيز الاستقرار المجتمعي.
حيث أعلنت جمعية الفردوس العراقية، بالتعاون والشراكة مع منظمة الجبايش للسياحة والبيئة، عن إطلاق برنامجها التدريبي التخصصي والمكثف لدعم وتمكين النساء في قضاء الجبايش، بتمويل كريم من السفارة الكندية وتحت إشراف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ($UNDP$).
هندسة الأثر: ثلاثة مسارات نحو سبل عيش مستدامة
تم تصميم هذا البرنامج بعناية فائقة من قِبل جمعية الفردوس العراقية ليركز على مهارات عملية وإنتاجية قادرة على توفير دخل مستدام ومستقل عن القطاعات التقليدية المتأثرة بشح المياه. وقد شملت التدريبات جوانب نظرية وتطبيقية مكثفة عبر المسارات التالية:
- إحياء الحرف والتراث: التدريب على فن خياطة “العباءة النسائية”، وهي حرفة تجمع بين القيمة التراثية العريقة والجدوى الاقتصادية العالية في المنطقة.
- الأمن الغذائي والتصنيع المحلي: تمكين المشاركات من التقنيات الحديثة والصحية لصناعة منتجات الحليب ومشتقاته، لضمان جودة تنافسية في الأسواق المحلية.
- الابتكار الصديق للبيئة: ورش عمل متخصصة لاستثمار الموارد المحلية وإعادة تدوير مخلفات الأشجار والنخيل، وتحويلها إلى تحف ومنتجات يدوية ذات قيمة سوقية.
صياغة الواقع الجديد: كيف يصنع التدخل التنموي فارقاً حقيقياً؟
تؤمن جمعية الفردوس العراقية بأن جودة العمل الإنساني والتنموي لا تقاس بالأنشطة العابرة، بل بحجم التغيير المستدام الذي تتركه على الأرض وفي حياة الناس؛ لذا صُممت هذه المبادرة لتصنع أثراً ملموساً يظهر جلياً في الأبعاد التالية:
أولاً، يساهم العمل بشكل مباشر في تنويع مصادر الدخل الاقتصادي عبر خلق بدائل مرنة ومستقرة لنساء الأهوار، مما يضمن لهن عائداً مالياً يكسر قيود الحاجة والاعتماد الكامل على الثروة السمكية والحيوانية المهددة بشح المياه.
ثانياً، يعمل البرنامج كأداة حقيقية لـتعزيز التكيف والمواجهة المناخية، حيث لا يقتصر الدعم على الجانب المالي، بل يمتد لتحويل المستفيدات من فئات متضررة تعاني من آثار الجفاف إلى عناصر منتجة قادرة على قيادة عوائلهن لتخطي الأزمة والاندماج في الواقع البيئي الجديد بكل ثقة.
ثانياً، يبرز البرنامج دور الجمعية في ترسيخ الاستدامة البيئية الدائرية، من خلال تعليم المشاركات كيفية الاستغلال الكفء للموارد المحلية المتاحة، وإعادة تدوير مخلفات النخيل والأشجار بنسبة كاملة في ورش الإنتاج، وهو ما يسهم في تقليص النفايات والانبعاثات الضارة بالبيئة.
أخيراً، يمثل هذا البرنامج نموذجاً متميزاً لـالتكامل وبناء الشراكات الفعالة، حيث نجحت جمعية الفردوس العراقية في تفعيل نموذج عمل رباعي يربط بكفاءة بين المنظمات المحلية، الحكومات الدولية، والمظلة الأممية، مما يعزز الثقة الدولية في كفاءة وقدرة المجتمع المدني العراقي على قيادة المشاريع الاستراتيجية الحساسة.
رسالة جمعية الفردوس العراقية:
“إن هدفنا يتجاوز مجرد تدريب النساء على حرفة جديدة؛ إننا نعيد غرس الأمل في قلب الأهوار، ونمنح حراس هذا التراث الإنساني الأدوات الذكية ليتحدوا التغير المناخي ويصنعوا غدهم بأيديهم.”
إن هذا التعاون المثمر يجسد الأهمية البالغة لتضافر الجهود الدولية والمحلية لحماية سكان الأهوار الأصليين وضمان عيش كريم لهم، مؤكداً أن رؤية جمعية الفردوس العراقية في الاستثمار بكفاءة المرأة هي الحل الأكثر استدامة وعمقاً في مواجهة التحديات البيئية العالمية.